اليمن : صمود الهوية في وجه التغيير المذهبي

 





عندما دخل المعز لدين الله الفاطمي مصر عام 969 م، وضع أساسًا لمعمارٍ ديني وثقافي استثنائي ببناء الجامع الأزهر. لم يكن الأزهر مجرد مسجدٍ للصلاة، بل كان منارة تعليمية هدفها نشر المذهب الشيعي الإسماعيلي في مصر وامتدادًا إلى أرجاء العالم الإسلامي. كان الأزهر رمزًا لمشروع الفاطميين الكبير في تحويل الهوية المذهبية للمجتمع المصري وتوسيع نفوذهم الديني والسياسي.


على مدار 201 عامًا من الحكم الفاطمي، بذل الفاطميون جهودًا كبيرة لإحداث تغيير مذهبي عميق في مصر. ورغم استماتتهم، ظل المجتمع المصري متمسكًا بجذوره الإسلامية السنية، محافظًا على هويته الثقافية والدينية. جاء سقوط الدولة الفاطمية عام 1171 م على يد القائد صلاح الدين الأيوبي ليعيد للأزهر دوره كمنارة علمية سنية تُنير العقول وتنشر الفقه الإسلامي الوسطي.


كما حاول الفاطميون تغيير هوية مصر، تسعى ميليشيات الحوثي اليوم إلى إعادة رسم الخارطة المذهبية في اليمن بالقوة والقمع. مساعيهم لا تقتصر على فرض سيطرتهم السياسية، بل تمتد إلى تفخيخ الأجيال الجديدة بفكرهم المتطرف، مستخدمين الحديد والنار لفرض أجنداتهم.


ولكن التاريخ يشهد أن هويات الشعوب لا تُصاغ بالقوة، وأن المذاهب الدخيلة مهما طالت مدتها لا تجد جذورًا ثابتة إذا لم تكن متأصلة في قلوب الناس وعقولهم. كما صمد المصريون في وجه مشروع الفاطميين، سيصمد اليمنيون أمام مشروع الحوثيين، محافظين على هويتهم الإسلامية اليمنية المتجذرة في عمق التاريخ.

التاريخ يعيد نفسه. من محاولة الفاطميين تغيير هوية مصر إلى مساعي الحوثيين في اليمن، الدرس واحد: الشعوب التي تتسلح بوعيها وهويتها لا تُهزم، مهما طال أمد المحاولات. سيذهب الحوثيون كما ذهب الفاطميون، ويبقى اليمنيون كما بقوا المصريون، متمسكين بجذورهم وهويتهم الإسلامية السنية.

تعليقات