ذاكرة الوطن لاتموت

 



عصر يوم جمعة، الساعة الخامسة مساءً، 20 سبتمبر من العام 2014، مبنى القيادة والأركان في صنعاء.

قاعة فخمة، طاولة مستديرة محمّلة بأصناف الفواكه، والنياشين تلمع على صدور الحاضرين كما لو كانوا في احتفال.

الجنرال، الذي تغرق كتفاه بالرتب، يلوّح بيده بتأفف:

“مال هذا الخوثي؟! اتفقنا على يوم واحد لتصفية المعسكرات المقاومة… الآن إحنا في اليوم الثالث ولسه ما خلّص شيء!”

– نقلاً عن شهادة أحد الحضور من القادة.


هكذا كانت تُدار معركة سقوط الجمهورية…

تذمّرٌ من تأخّر الحليف في تصفية الجمهورية، لا استنفار، ولا خطة للردع، فقط انتظار.


سنوات طويلة بُني فيها الجيش اليمني، من بعد ثورة 26 سبتمبر، ومرّ بمحطات وتحديثات، حتى آخرها على يد الزعيم الراحل علي عبدالله صالح.

جيش منظم، مدرّب، لكنه في لحظة الحقيقة، لحظة الغزو الحوثي في أواخر 2013، لم يُطلق رصاصة.


ما حصل؟

عمليات “استلام وتسليم”…

المعسكرات، النقاط، المواقع… تُسلَّم للحوثي بأمر من قيادات الجيش نفسه.

وباستثناء قلة من القطاعات التي رفضت هذا العار وقرّرت القتال، لم تُبدِ المؤسسة العسكرية أي مقاومة.


لكن الكتائب التي قاومت، لم تُترك لتقاتل… بل تُركت لتُسحق.

الشهيد القشيبي في عمران، والعميد صادق مكرم في صنعاء، كانوا من هؤلاء.

قاتلوا… وماتوا وحدهم.


لم يكتفِ الجيش بعدم القتال، بل شارك في بعض المواقع إلى جانب الحوثيين ضد أبناء اليمن.


وفي واحدة من أكثر المشاهد إيلامًا، ننقل ما كتبه مروان الغفوري في مقاله ليلة سقوط الجمهورية، نقلاً عن أحد الجنود الذين نجوا من المجزرة:


“كنا أربعة فقط، لا تتّسع لنا السيارة، فقرّرنا البقاء حتى تعود.

بدأ الحوثيون بالاقتراب، مجموعة تُغرقنا بالرصاص، وأخرى تتسلل من بين المباني.


توجّهنا إلى حراسة معسكر الصيانة، نطلب اللجوء…

لكن الجندي قال: (لا نستطيع، الأوامر لا تسمح).

صاح أحدنا:

“لعنة الله عليكم وعلى أوامركم!

أين شرف البدلة؟ أين شرف الزمالة؟”


لم يردّ أحد.


اقترب الحوثيون حتى لم يفصلنا عنهم سوى شارع بعرض سبعة أمتار…

نفدت ذخيرتنا، ورمينا آخر قنبلتين، ثم ركضنا إلى السيارة التي ظهرت من آخر الشارع، تنقذ ما تبقّى من كرامة!”


– انتهى الاقتباس.


وبعد مدة قصيرة، قامت “عاصفة الحزم”…

انقسمت الجغرافيا إلى قسمين:

شرعية في مأرب، وواقع مفروض في صنعاء.


تحرّك الجيش من جديد… لكن هذه المرة بصيغة جديدة.

جيش سابق، صار يُقاتل مع الحوثي في الجنوب، في عدن، شبوة، تعز، وحتى مأرب.

صار ذراعًا للحوثي، ولاؤه الكامل لما يُسمّى بـ”المسيرة القرآنية”.


من رفض الاندماج… صُفّي.

ومن تمسّك بالقَسَم العسكري… التحق برفاقه في المقاومة.

والبعض غادر الوطن محمّلًا بالأموال التي اكتسبها خلال خدمته العسكرية.


وفي الجهة الأخرى، لم يبقَ للدفاع عن الجمهورية سوى أهلها:

مدرّس، مزارع، شيخ قبيلة، شاب تخلّى عن راحته وحمل السلاح،

وثُلّة قليلة من جيش اليمن السابق ممن تمسّكوا بشرفهم العسكري.


سنوات من المقاومة الشعبية صنعت جيشًا جديدًا.

جيش تشكّل من الصفر، صار مدرّبًا، نظاميًا، ومعترفًا به إقليميًا ودوليًا.

اليوم :مأرب، شبوة، الساحل الغربي وغيرها … كلها صارت قلاعًا عتيدة للجمهورية.


وبعد عشر سنوات؟

الذين لبسوا البزّات يومًا، صاروا يتنقّلون بين مقاهي القاهرة، ويتبادلون الذكريات في شوارع الشيخ زايد، متمتّعين بنعيم الأموال التي اكتسبوها خلال خدمتهم في النظام الجمهوري.

بينما أولئك الذين لم تُعرف أسماؤهم في نشرات الأخبار، ثابتون في أعلى قمم الحيود، يسهرون على الثغور، ويحمون ما تبقّى من اليمن.


رغم كل ما حدث، رغم الغدر والتواطؤ، وبيع الوطن على موائد المصالح…

رأينا بأعيننا كيف أن المواطن البسيط، حين تخلّى الجميع، كان هو الجيش، وهو الدولة، وهو الساتر.


مدرّسون، شيوخ، قبائل، شباب لم يدخلوا معسكرًا قط… صاروا هم السياج الذي وقف في وجه الطوفان.


واليوم، بعدما تبدّلت المقاعد، وصعدت الحقيقة فوق الركام،

يخرج من بيننا من يطعن في هؤلاء الرجال؟

من يشكّك في تضحياتهم؟

من يساويهم بمن سلّم الوطن ومضى؟


التاريخ لا يُزوّر، والذاكرة الجمعية لا تمحوها أصوات مأجورة، ولا أقلام معروضة للبيع.

صور الشهداء، مقاطع الميدان، أسماء القرى والمدن التي صمدت… كلها شاهدة.

ومن أراد أن يُغمض عينيه عن الحقيقة، فالتاريخ كفيل بأن يفتحها له ذات يوم، ولو على وجع.


ما عاد يليق بجيلٍ رأى السقوط بأم عينه، أن ينخدع بمن برّروا الخيانة ولبسوا عباءة الحياد.

ومن يتجرأ أن يقدح في هذا الجيش الجديد، فليُسأل أولًا:

أين كان يوم سقطت الجمهورية؟

وأين وقف حين سال الدم في الشوارع؟

وماذا فعل حين فُتحت بوابات المعسكرات دون مقاومة؟


إن هذا الجيش – الذي وُلد من رحم الألم – لا يحتاج شهادة من أحد.

يكفيه أنه وقف، حين انحنى الكل.

وأنه قاتل، حين خضع الآخرون.

وأنه لا يزال، رغم التعب، هو ما تبقّى من الكرامة لهذا البلد.

تعليقات