توازن الردع بين إسرائيل وإيران: سياسة “العصا والجزرة" في ضبط التصعيد





في ظل التوترات المتصاعدة بين إسرائيل وإيران، أصبحت قواعد الاشتباك أكثر تعقيدًا وتنظيمًا بفعل تفاهمات غير معلنة تم التوصل إليها بوساطة الولايات المتحدة. هذا التفاهم نجح في ضبط قواعد الاشتباك وتحديد الحدود التي يجب على كل طرف عدم تجاوزها في استهداف الطرف الآخر، مع ضمان عدم استهداف أي مواقع حساسة أو منشآت حيوية للطرفين، مما يضمن بقاء الصراع تحت السيطرة ومنع تحوله إلى حرب اقليمية شاملة.

تقوم إسرائيل باستهداف حلفاء إيران الإقليميين، مثل حزب الله في لبنان أو مواقع الميليشيات المدعومة من إيران في سوريا والعراق. وفي إطار هذه الصفقة، تم الاتفاق على تقليم أظافر حزب الله عبر تصفية قياداته والحد من قدراته التدميرية، وحيث ان الحزب يمثل تهديدًا مباشرًا لإسرائيل بسبب قربه الجغرافي منها. مقابل ذلك، حصلت إيران على تطمينات بعدم المساس بحليفها الآخر الحوثي في اليمن، الذي لا يشكل تهديدًا جغرافيًا مباشرًا لإسرائيل، بقدر مايمثل خنجرًا في خاصرة الجزيرة العربية. بهذه الصفقة، قد يُنظر إلى أن إيران نقلت نفوذها من الضاحية الجنوبية ببيروت  إلى صنعاء، مع ضمان بقاء الحوثيين خارج نطاق الاستهداف الإسرائيلي التدميري.

الولايات المتحدة: سياسة “العصا والجزرة” في التعامل مع إيران

اعتمدت الولايات المتحدة في تعاملها مع إيران على سياسة مزدوجة تجمع بين الترهيب والترغيب:

فالعصا تمثلت  بتهديد واشنطن إيران بفقدان قدراتها النووية والعسكرية إذا تمادت في الردود، وتؤكد أن أي تصعيد خارج الحدود المرسومة سيؤدي إلى تدخل عسكري واسع النطاق يفقدها مكتسباتها التي بنتها خلال السنوات السابقة.

والجزرة بتقديم الولايات المتحدة لإيران الوعود بتسهيلات مستقبلية في ملفها النووي، إضافة إلى غض الطرف عن بعض مشاريعها التوسعية في المنطقة، بما في ذلك دعمها للحوثيين في اليمن. هذه التسهيلات تشكل جزءًا من الاستراتيجية الأمريكية لتهدئة إيران ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة، مع الحفاظ على القدرة على توجيه إيران نحو مصالح مشتركة طويلة الأجل.

الهدف الاستراتيجي: القضاء على التهديدات التقليدية

الهدف بشكل أساسي حركات المقاومة الفلسطينية التي تعتبرها إسرائيل التهديد التقليدي الأبرز. بالنسبة لواشنطن وتل أبيب، فإن إضعاف تلك الحركات يُعد خطوة محورية لإعادة تشكيل المنطقة وفق الرؤية الأمريكية-الإسرائيلية. وفي هذا السياق، يمثل حزب الله تهديدًا جغرافيًا مباشرًا لإسرائيل، مما يجعل تقليص نفوذه وتصفية قدراته جزءًا أساسيًا من هذه الصفقة، مقابل حفاظ إيران على نفوذها الإقليمي في مناطق أخرى كاليمن، حيث لا تشكل الميليشيات الحوثية تهديدًا مباشرًا لإسرائيل بقدر ما تمثل تهديدًا لجيرانها في الخليج.

الدول العربية: الطرف المغيب عن المعادلة

بينما تدور هذه التفاهمات في الخفاء، تبدو الدول العربية بعيدة عن دائرة التأثير الحقيقي في مجريات الأحداث. فالمصالح الأمريكية والإسرائيلية تُدار بشكل مباشر بين واشنطن وطهران، فيما تجد العديد من الدول العربية نفسها خارج المعادلة، دون قدرة فعلية على تغيير مسار الأحداث. وبهذا، قد تنتهي العملية بتأمين مصالح الأطراف الكبرى، بينما يبقى تأثيرها السلبي واقعًا على المنطقة العربية التي باتت بعيدة عن مراكز القوة.

خاتمة

تشير المعطيات الحالية إلى أن التفاهمات الأمريكية-الإيرانية قد نجحت في تقليل حدة الخسائر المباشرة بين إسرائيل وإيران، وتجنب التصعيد العسكري المباشر بين الطرفين. ومع استمرار هذه السياسة، ستبقى المنطقة خاضعة لمعادلة حساسة تقودها واشنطن، حيث تحصل إيران على مكاسب إقليمية مقابل تقديم تنازلات تكتيكية تتعلق بحلفائها. في النهاية، سيظل الخاسر الأكبر من هذه المعادلة هي الدول العربية التي لا تزال خارج مراكز القوة والتأثير في إعادة تشكيل الخريطة السياسية للشرق الأوسط.

تعليقات